سيد قطب
3752
في ظلال القرآن
الحسن بن بشر البجلي ، حدثنا المعافى بن عمران ، عن إبراهيم بن يزيد ، سمعت ابن أبي مليكة يقول : سمعت ابن عباس يقول : إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما ، فلما أكلوا منه قال : ما تقولون في هذا الرجل ؟ فقال بعضهم : ساحر . وقال بعضهم : ليس بساحر . وقال بعضهم : كاهن . وقال بعضهم : ليس بكاهن . وقال بعضهم : شاعر . وقال بعضهم : ليس بشاعر . وقال بعضهم : بل سحر يؤثر . فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر . فبلغ ذلك النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فحزن ، وقنع رأسه ، وتدثر . فأنزل اللّه تعالى : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ » . . وتكاد تكون هذه الرواية هي ذاتها التي رويت عن سورة « الْمُزَّمِّلُ » . . مما يجعلنا لا نستطيع الجزم بشيء عن أيتهما هي التي نزلت أولا . والتي نزلت بهذه المناسبة أو تلك . غير أن النظر في النص القرآني ذاته يوحي بأن مطلع هذه السورة إلى قوله تعالى : « وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ » ربما يكون قد نزل مبكرا في أوائل أيام الدعوة . شأنه شأن مطلع سورة المزمل إلى قوله تعالى : « وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا » . . وهذا وذلك لإعداد نفس الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - للنهوض بالتبعة الكبرى ، ومواجهة قريش بعد ذلك بالدعوة جهارا وكافة ، مما سيترتب عليه مشاق كثيرة متنوعة ، تحتاج مواجهتها إلى إعداد نفسي سابق . . ويكون ما تلا ذلك في سورة المدثر ، وما تلا هذا في سورة المزمل ، قد نزلا بعد فترة بمناسبة تكذيب القوم وعنادهم ، وإيذائهم للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - بالاتهام الكاذب والكيد اللئيم . إلا أن هذا الاحتمال لا ينفي الاحتمال الآخر ، وهو أن يكون كل من المطلعين قد نزل متصلا بما تلاه في هذه السورة وفي تلك ، بمناسبة واحدة ، هي التكذيب ، واغتمام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - للكيد الذي كادته قريش ودبرته . . ويكون الشأن في السورتين هو الشأن في سورة القلم على النحو الذي بيناه هناك . وأيا ما كان السبب والمناسبة فقد تضمنت هذه السورة في مطلعها ذلك النداء العلوي بانتداب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لهذا الأمر الجلل ؛ وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ » . . مع توجيهه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى التهيؤ لهذا الأمر العظيم ، والاستعانة عليه بهذا الذي وجهه اللّه إليه : « وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ » . . وكان ختام التوجيه هنا بالصبر كما كان هناك في سورة المزمل ! وتضمنت السورة بعد هذا تهديدا ووعيدا للمكذبين بالآخرة ، وبحرب اللّه المباشرة ، كما تضمنت سورة المزمل سواء : « فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ، فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ . ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا ! إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً » . . وتعين سورة المدثر أحد المكذبين بصفته ، وترسم مشهدا من مشاهد كيده - على نحو ما ورد في سورة القلم ، وربما كان الشخص المعني هنا وهناك واحدا ، قيل : إنه الوليد بن المغيرة - ( كما سيأتي تفصيل الروايات عند مواجهة النص ) وتذكر سبب حزب اللّه سبحانه وتعالى له : « إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ قُتِلَ : كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » . . ثم تذكر مصيره : « سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ .